ابن الحسن النباهي الأندلسي
176
المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )
الشكيمة ، ولي القضاء بجهات شتّى ، منها مدينة المريّة ، وصدرت عنه في مدّة حصار الروم لها جملة أقوال وأفعال لا تصدر إلّا من حزماء الرجال . ثمّ نقل إلى قضاء الجماعة بالحضرة ؛ فاشتهر بالمضا والاشتداد على أهل الجاه ، وإقامة الحدود ، وإخافة الشهود . وكان لا يخطّ بعقد علامة بثبوته عنده إلّا بعد شهادة أربعة من العدول ؛ وقصر أصحابه ذلك وقالوا : ألا ترى ، لو أنّ رجلا دفع إلى آخر حقّا كان له عليه ، وطلبه أن يشهد به ، فأشهد عدلين ، وأبى أن يشهد غيرهما ، وأراد صاحبه الاستكثار من البيّنة ، فإنّه لا يلزمه أن يشهد له أكثر من شاهدين عدلين ، على ما قاله القاضي أبو الوليد بن رشد ، ورواه غيره لقوله تعالى : وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ « 1 » . قالوا : وإن كان قصد القاضي من الإكثار من الشهداء التوثّق لتحصّل البراءة المتحقّقة له ولغيره ، فقد يجمع أربعة من الضعفاء في رسم واحد ، فلزم إذا مرتكب هذا النظر الإمساك عن خطاب مثل هذا الرسم ، إلى غير ذلك من المضارّ المتعلّقة به ، فلم يثن الشيخ أبا بكر بن مسعود شيء من هذا كلّه من غرضه ، واستمرّ على ذلك مدّة قضائه . وكان له من أخيه أبي الحسن ، وزير الدولة الإسماعيليّة وعميد البلدة ، ردء كثير على إنفاذ الأحكام ، ومصادمة أساطين الرجال . ونفر بعض أهل المدينة عند التخاصم عنده ، تقية من تعاظم شدّته واتّصال عبوسته ؛ وجرى له في ذلك مع القاضي بربض البيّازين كلام حاصله أن طلب منه الاقتصار بالنظر على جهته ، رفعا للتشويش عن الخصوم . والمنصوص جواز قاضيين في بلد واحد وأكثر ، كلّ مستقل ومختصّ بناحيته ، وإنما الممنوع شرط الاتّفاق في كلّ حكم ، لاختلاف الأغراض ، وتعذّر الاجتماع . وقد تقدّم الشبيه على ذلك عند التكلّم في شروط القضاء . ثمّ إذا تنازع الخصمان في الاختيار ، حيث قلنا بالجواز ، وازدحم متداعيان ، فالقرعة . قرأ على الأستاذ أبي جعفر بن الزّبير ، وابن الطلّاع ، وابن أبي الأحوص ، واستعمل في الرسالة إلى ملك المغرب عام 727 ، وأقام بظهر سلا ؛ ثمّ طرقه المرض ، فتوفّي هنالك يوم الخميس سابع ذي قعدة من العام المذكور . ودفن
--> ( 1 ) سورة البقرة 2 ، الآية : 282 .